من وقائع معركة كورتي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

من وقائع معركة كورتي

مُساهمة من طرف سليمان التهامي في الأحد مايو 08, 2011 11:42 pm

قراءات تاريخية
من وقائع معركة كورتي
إخلاص محمد عثمان*
واقعة كورتي من المواقع المشهودة في التاريخ السوداني، وهي الواقعة التي دارت بين الشايقية والجيش الغازي التركي بقيادة إسماعيل باشا، وكما هو معروف أن كثير من الحقائق التاريخية كان قد صاحبها الغموض إما بسبب قِلّة المادة التي وصلتنا أو التوثيق ، لكن عموماً تظل كثير من الحقائق التي وضحت إما بسبب الوثائق أو روايات كثير من الرحالة الأجانب .
وقبيلة الشايقية من القبائل العربية العباسية ، وقد امتزجت بالقبائل النوبية في السودان، وبعد مرور الزمن شيّدوا مملكة عظيمة أقاموا صروحها على أطلال مملكة نبتة القديمة، وامتدت من الشلال الرابع(سد مروي حالياً) إلى أبي دوم قشابي، وشملت أربعة ممالك ومشيخة، وهي مملكة حنّك ، وكجبي، ومروي (عسوم) وعمرى (أمرى) ومشيخة السواراب. وقد اصطدموا مع المماليك الذين كانوا قد هربوا إلى السودان بعد واقعة القلعة الشهيرة، وكان قد أكرمهم ملوك الشايقية وأجاروهم خاصة محمود العدلانابي في أرقو ولكنهم غدروا به وطمعوا في نزع ملكهم، وحدثت بينهم مواجهات في أرقو ومرّاغة وفي عقبة الحتاني عام 1812م ثم تلتها معارك أخرى في الكرى والقرير سنة 1812م، واستمرت الغارات بينهم حتى سيطر الشايقية مرة أخرى على منطقتهم، لكن هذا الأمن والإستقرار لم يدم طويلاً، فقد فكر محمد علي باشا في غزو السودان كما ذكرنا، وكان لعدة دوافع من بينها القضاء على المماليك والبحث عن الذهب والإستيلاء على منابع النيل والحصول على الرجال الأقوياء وغيره،وتشجّع لذلك بعد أن سافراليه و زّين له بعض زعماء القبائل السودانيه غزو البلاد ، وهم بشير ود عقيد المسلمابي والملك نصر الدين ملك الميرفاب كما هو معروف، فتحمّس لتنفيذ الفكرة ، وعقد لواءه لإبنه اسماعيل باشا بفتح سنار، ودخل الجيش بلاد النوبة، ولم تواجهه مقاومة حتى بلغ بلاد الشايقية والتي كان عليها شاؤس (جاويش) ملك العدلاناب وصبير ملك الحنكاب، ومدني ملك كجبي، وعمر ملك العماراب، وعبود شيخ السواراب، وتكتّل الشايقية تحت قيادة ملوكهم جا ويش وصبيروغيرهم والقيادات الميدانيه امثال أحمد ودعبود وخرسهن وحسان العونى وغيرهم من الابطال ، ويقال: أن الشايقية عندما وصلتهم أخبار الحملة قاموا بإجاراء إتصالات مع ملوك الجعليين والعبدلاب لإعداد خطة مشتركة لصد العدو ولكنهم أخفقوا فى ذلك، ونصحوا الملك صبير( بألاّ طاقة لنا بالحرب).
وبادر إسماعيل بإرسال رسالة لملوك الشايقية يقول فيها: "إنّ أبي يرغب إليكم أن تُسلِّموا سلاحكم وخيولكم وتتركوا الحرب وتؤدُّوا الجزية ". فرد عليه الشايقية:Sad أما الجزية فنؤدِّيها بلا حرب وأمّا خيولنا وسلاحنا فما نسلمها إلا بالحرب لعلنا نفوز وتبقى لنا).
ويروى أن إسماعيل بعدها بعث في دار الشايقيه بنشرة مفادها:
(إن كل من يضبط عنده حصان ولم يقدمه للحملة في كذا من الزمن يقتل شنقاً)، ورأى الشايقية في هذا الكلام نوعاً من السخرية والإحتقار والإمتهان لرجولتهم فعزموا على القتال.
ويَروِى الرحّالة كايو نقلاً عن عبدو كاشف ثاني قواد الجيش التركي،Sad إن الشايقية قد مزّقوا طليعة إستكشافية تتألف من مائة من الفرسان فقتلوا سبعين، ثم تجمّعوا في 4 نوفمبر 1820م قرب كورتي) ، وكانت في جيش الشايقية مهيرة بنت الشيخ عبود شيخ السواراب، وهنا برز دور المرأة عند الشايقية في الحرب مرة ثانية كما برزمن قبل في عام 1672م عند(عديله) والده الملك حمد العدلانابى الذى حقق استقلال الشايقيه في حربهم مع العبدلاب والفونج، وأخذت مهيرة تحِّرض قومها على خيار الحرب بعد أن عقدوا مجلس حرب واحتد النقاش فيه، فأخذت تنشد وتخاطب أترابها قائلة:
الليلي العقيد شوفِنّه مِتمــسكِنْ
وفي قلب التُّراب شوفِنّه متجكٍّن ْ
الرأي فارقو لا بشفي لا يــمكِنْ
ما تتعجبن ضيم الرجال يمكــِنْ
خلوكن براكن الليلة وَحَّدْكِــنْ
بِتَمْشــِن تحـــاربِنْ والله بِتــبكِن ْ
ثم تقف مهيرة مرة أخرى تمدح رجال قبيلتها :-
غنيت بالعديلة لي عيال شايق
البفشوا الغبينة ويلحقوا الضّايق
الليلة إسْتعَدُّوا ورِكبوا خيل الكَرْ
وقِدّامُن عقيدُُ بــالأغــر دفـــّرْ
جنياتنا الأسود الــــليـــلة تتنبَّرْ
يالباشا الغشيم قول لي جدادك كَرْ
وكعادت النساء العربيّات أمثال الخنساء وهند بنت عتبة في مثل هذه المواقف ، تمضي مهيرة في إستثارة فرسان قبيلتها ومدحهم بعد أن لبسوا لامة الحرب واستعدوا لها فتقول :
حسّان بي حَدِيدُو الليلة إتلثّمْ
الدّابي الكَمَن في جُحرو شَمّ الدّم ْ
مامون يا العقيد بُّقّة عقود السّمْ
فرساناً بِكيلو العين بِفِرجو الهَمْ
وهنا تقصد الفارس حسّان العوني أحد فرسان القبيلة وأحد أبطال المعركة ، وهو أحد عُقداء الجيش.
وعندها قفز أحد الفرسان وهو يرتجز:
نحن فرسان الدُّواسْ نِحْن نِسبتنا عبّاسْ
دُقُّوا يا أولاد النِّحَاسْ شِدٌّو خليكم يلاَّ للباس
بعدها تدافع فرسان القبيله وقد أقرَّ مجلس الحرب مبدأ النزال ومقاتلة الغُزاة ، ببطوله وشجاعه فائقه ،
عندئذ بدأت المعركة وإندفع الشايقية وكان بعضهم عُزّل، تصحبهم دقات الطبول وهم يصيحون صيحتهم الحربية (السلام عليكم) ويروى الرحّالة إنجلش) في كتابه (الحملة إلى دنقلا) وقد كان في مدفعية جيش إسماعيل : (إن الشايقية أحرزوا شيئاًَ من التقدم في البداية إلا أن الأتراك عمدوا إلى بنادقهم ومدافعهم وإنجلت المواجهة الأولى بهزيمتهم) ثم بعدها نزل إسماعيل كورتي بعد أن أتاه المدد وتعقب الشايقية الذين تحصنوا في قلعة جبل الدقر، وطوَقهم فرسانه والهجانة من الخلف وكانت الهزيمة لعدم تكافؤ القوي ، فتفوّق العدو بالسلاح الناري.
ويروى إنجلش قائلاً ) : كانت الشجاعة المستميتة التي اتصف بها هؤلاء القرويون تبعث علي الدهشة فقد تقدموا أكثر من مرة تجاه فوهات المدافع، وجرحو بعض رجال المدفعية، وقد أخبرني الجنود أنهم كانوا في كثير من الأحيان يضطرون إلى إفراغ قرابينهم - أي سلاحهم- ومسدساتهم في جسد رجل واحد) وهو يُكبِّر ويمضي نحوهم دون مبال بالموت الذي هو أحب إليه من الحياة التي يكون فيها الضيم والهوان في ظل الإحتلال.
ويتفق معه الرحالة وادنجتون وهو من الذين شهدوا المعركة قائلاًSad إن الأتراك بعدها أقدموا على ذبح الأهالي في كورتي ثم دمروا المدينة بحرقها) .
وقد قتل كثير من فرسان الشايقية وتراجع جاويش وواصل الجيش مطاردته للشايقية يقتل ويأسر، وكان من الذين وقعوا في الأسر بنت الملك صبير وتسمى (صفيّة) ويقال أن إسماعيل أكرمها وألبسها أفخر الثياب وردّها إلى أبيها معزّزة مكرمة،وهكذا يتم التعامل مع بنات الملوك، فلما رأى الملك صبير منه هذه المكرمة أتاه مُسَلِماً وسلَم بعده الملك عمر، أما جاويش فقد رفض التسليم والهدنة وسار بجيشه حتى شندى وحاول أن يعقد حلفه مع المك نمر ولكنه لم يفلح وفشل في هذه المرّة كما أخفق في سابقتها قبل المعركة !! وبعدها سار جنوباً نحو الحلفايا محاولاً إنشاء حلف مع العبدلاب ولكنه لم ينجح أيضاً ، فهجم بخيالته على الحلفايا وخربها ، ثم توجه إلى حيث كان إسماعيل وعقد معه صلحاً ، بعد مفاوضات حدد شروطها بعزة الملوك و أنفة الفُرّاس الأقوياء ، ومن أبرز وأهم شروطه للصلح أن تترك لهم خيولهم وسلاحهم، فكانت إتفاقية الشجعان.
ويقال إن الباشا فرح بتسليم الملك جاويش وأرسل إلى أبيه يخبره بالنبأ فأشار عليه والده أن يحاول استقطابهم بجانبه لأنهم فرسان أشداء .
ومما يلاحظ أن الشايقية لم يكن هدفهم مهادنة الأتراك منذ البداية ومما يبرهن على ذلك نهم واجهوا الحملة وقاتلوها بفدائية وبطولة وقدّموا مئات الشهداء، ثم حوّلوا هزيمتهم إلى وسيلة أخرى وهي ممارسة مهنتهم المفضّلة الفروسية لفترة طويلة وبصورة حديثة تتمثل في والإعداد من خلال التدريب علي السلاح الحديث ، حتى شاع مثل يقول" الشايقي إن نجح للعسكريّة وإن بطل للطوريّة". وكلاهما رمز للقوة والبطولة فالعسكرية رمز للقوة التي تحقق الأمن العسكري وهي قوة مطلوبة ومأمور بها كل مسلم ، والطورية التي ترمز للزراعة وهي من أدوات الأمن الغذائي، وكِلا المهنتين لا يقُم بهما إلّا الأشداء الأقوياء أولو البأس ، وفي هذه المقولة مفخرة للقبيلة .
و عموماً فقد كانت معركة كورتي هي الأولى والأخيرة في مواجهة إسماعيل باشا حيث لم يُقَاَتلْ قبلها ولا بعدها ، ولم يجد الغُزاة من يقف في وجههم حتي دخلوا سنار ، كما أنها نقطة تحُول في حياة الشايقية وقادتهم ، فقد هاجر الكثير منهم إلى مناطق السودان المختلفة وأسَّسُوا كثيراً من المدن ، في الجزيرة مثل ود سلفاب ودبلال وودالمجذوب وودالنووغيرها وهم من ابطال الشايقيه وحلفايا الملوك التي استقروا فيها على شكل جماعي وكان لهم دور في تطويرها، وانتشروا في كبوشية وشندي ومناطق حجر العسل والبسابير وأم روابة والأبيض والنهود وكوستي والقضارف وكسلا وبورتسودان وغيرها ، والشايقية عموماً ينتشرون في كل جهات السودان وهذا ربما يرجع لطبعهم وحبهم للسفر والتجوال والمغامرة.
وقد قال في كورتي الشاعر الفحل محمد بادي العكودابي:
جماجِم كورتي فــوق راس الجبل بتشابي ماعِــرْفَت رُقادْ
وكل عضُــم شِرٍب من دمُّوا دفَّق حِزمة من خِيرة الوِلاد ْ
لهيب الشوق علي الجنيات مع التّركاوي يـــــوم هَبَر الزِّنادْ
البارود عبق بَرَقـَـنْ سِيـُوف العِّـــزَّة والــــدّق كان سَــدَادْ
مرقـــت مــهــــيرة مع الصــّبَاح تــشبه شَمِشْ يـــوم المــَعادْ
نضمت كلام اتباشروبوا أخوانا حالاً شَبُّو فوق سرج الجواد ْ
غَلَي فيهم الدّم القديم والصّيحة جات الله أكبر ويا جِــهادْ
رقصن خيولُنْ فوق لهيب النّار وصاح الباشا قال ماهُنْ شُدادْ
العِزّة فيــهم مالا حــدْ والحــربة تهرِد في حشــا التُّرك القُلادْ
شاقوني يوم جلبوا النفوس والموت شراهم جُملةما خِبِرْ العِدادْ
كتبوا التواريخ بالدّم العبّاسي وآماساتي أكتب في التواريخ بالمدادْ


* أكاديمية وباحثة – ماجستير تاريخ.


سليمان التهامي

المساهمات : 4
تاريخ التسجيل : 08/05/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: من وقائع معركة كورتي

مُساهمة من طرف معاذ محمد في الثلاثاء مايو 31, 2011 5:24 pm

طبعا الناس الحاقدة دي ما تذكر الا مهيرة بت عبود - و بينسوا اخوان مهيرة اول ناس و قفوا في وجه الغزو

معاذ محمد

المساهمات : 8
تاريخ التسجيل : 25/05/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: من وقائع معركة كورتي

مُساهمة من طرف معاذ محمد في الثلاثاء مايو 31, 2011 5:25 pm

نشكرك علي هذا التوثيق

معاذ محمد

المساهمات : 8
تاريخ التسجيل : 25/05/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى